الثعلبي
167
الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )
وقال الفرّاء : هو من المقلوب أراد فإنّي عدو لهم لأنّ من عاديته عاداك . ثم قال إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ نصب بالاستثناء يعني فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي وغير معبود لي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ فإنّي أعبده ، قاله الفرّاء ، وقيل : هو بمعنى لكن ، وقال الحسن « 1 » بن الفضل : يعني الأمر عند رب العالمين . ثم وصفه فقال الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ أخبر أن الهادي على الحقيقة هو الخالق لا هادي غيره . قال أهل اللسان : الَّذِي خَلَقَنِي في الدنيا على فطرته فَهُوَ يَهْدِينِ في الآخرة إلى جنته . وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ يعني يرزقني ويربيني . وقال أبو العباس بن عطاء : يعني يطعمني أيّ طعام شاء ، ويسقيني أيّ شراب شاء . قال محمد بن كثير العبدي : صحبت سفيان الثوري بمكة دهرا فكان يستف من السبت إلى السبت كفّا من رمل . وسمعت أبا القاسم بن حبيب يقول : سمعت أبا الحسن محمد بن علي بن الشاه يقول : سمعت أبا عبد الله محمد بن علي بن حمدان يقول : سمعت الحجاج بن عبد الكريم يقول : خرجت من بلخ في طلب إبراهيم بن أدهم فرأيته بحمص في أتون يسجّرها فسلّمت عليه وسألته عن حاله ، فردّ عليّ السلام وسألني عن حالي وحال أقربائه ، فكنت معه يومه ذلك فقال : لعلّ نفسك تنازعك إلى شيء من طعام ؟ فقلت : نعم فأخذ رمادا وترابا فخلطهما وأكلهما ثمّ أقبل بوجهه عليّ وأنشأ يقول : اخلط الترب بالرماد وكله * وازجر النفس عن مقام السؤال فإذا شئت ان تقبّع بالذلّ * فرم ما حوته أيدي الرجال فخرجت من عنده فمكثت أياما لم أدخل عليه فاشتدّ شوقي إليه ، فدخلت عليه وكنت عنده فلم يتكلّم بشيء فقلت له : لم لا تكلّم ؟ فقال : منع الخطاب لأنه سبب الردى * والنطق فيه معادن الآفات فإذا نطقت فكن لربّك ذاكرا * وإذا سكتّ فعدّ جسمك مات قال أبو بكر الوراق : يُطْعِمُنِي بلا طعام وَيَسْقِينِ بلا شراب ، ومجازها : يشبعني ويرويني من غير علاقة ، كقول النبي صلى اللّه عليه وسلّم : « إنّى أبيت يطعمني ربّي ويسقيني » [ 95 ] . يدلّ عليه حديث السقاء في عهد النبي صلى اللّه عليه وسلّم حيث سمع النبي صلى اللّه عليه وسلّم ثلاثة أيام يقرأ
--> ( 1 ) في النسخة الثانية : الحسين .